الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

255

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تقول : والليل إذا يغشى فالقسم الأول بالليل حين يغطي . . . يغطي بظلامه نصف الكرة الأرضية . . . أو يغطي قرص الشمس ، وهذا القسم تأكيد على أهمية الليل ودوره الفاعل في حياة الأفراد ، من تعديله لحرارة الشمس ، ونشره السكينة على كل الموجودات الحية ، وتوفير الجو لعبادة المتهجدين ومناجاة الصالحين . ويستمر السياق القرآني في القسم بالقول : والنهار إذا تجلى ( 1 ) . والنهار يبدأ من اللحظة التي يطلع فيها الفجر ، فيشق قلب ظلام الليل ، ثم يمتد ليملأ كل السماء ، ويغمر كل شئ بالنور . . . بهذا النور الذي هو رمز الحركة والحياة ، والعامل على نمو كل الموجودات الحية . في القرآن الكريم تركيز على مسألة نظام " النور " و " الظلمة " ودورهما في حياة البشر ، لأنهما من نعم الله الكبرى ومن آياته العظمى سبحانه . ثم القسم الأخير في السورة بالخالق المتعال : وما خلق الذكر والأنثى . فوجود الجنسين في عالم " الإنسان " و " الحيوان " و " النبات " . . . والمراحل التي تمر بها النطفة منذ انعقادها حتى الولادة . . . والخصائص التي يمتاز بها كل جنس متناسبة مع دوره ونشاطه . . . والأسرار العميقة المخبوءة في مفهوم الجنسية . . . كلها من دلالات وآيات عالم الخليقة الكبير . . . وبها يمكن الوقوف على عظمة الخالق . والتعبير ب‍ " ما " عن الخالق سبحانه كناية عن عظمة الذات الإلهية ، وما يحيط بهذه الذات من غموض تجعله سبحانه فوق كل وهم وخيال وظن وقياس .

--> 1 - يلاحظ في السورة المباركة أن الفعل " يغشى " بصيغة المضارع ، أما " تجلى " فبصيغة الماضي ، قيل إن ذلك يعود إلى عصر نزول السورة ، حيث كانت الجاهلية في بداية الدعوة مخيمة بظلامها على الأرض ، وفي هذه الحالة سيكون القسم بظلام الجاهلية ، وليس ذلك بجيد ، ومن الأفضل القول إن هذا الفعل الماضي يفيد معنى المضارع لوقوعه بعد " إذا " الشرطية ، أو إن أصل الفعل " تتجلى " حذفت إحدى التائين ، عندئذ سيكون الفعل مؤنثا ، ولا يكون فاعله " نهار " ، بل سيكون التقدير : " إذا تتجلى الشمس فيه " .